أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

375

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 13 إلى 15 ] وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ( 15 ) قوله : وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . فيه وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على « أَنَّ » الأولى ، أي : يبشر المؤمنين بشيئين : بأجر كبير ، وتعذيب أعدائهم ، ولا تشك أنّ ما يصيب عدوك مسرور لك . وقال الزمخشري : « ويحتمل أن يكون المراد : ويخبر بأن الذين » . قال الشيخ « 1 » : « فلا يكون إذ ذاك داخلا تحت البشارة » . قلت : قول الزمخشري يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون قوله : ويحتمل أن يكون المراد ، ويخبر بأن أنه من باب الحذف ، أي : حذف « ويخبر » ، وأبقى معموله ، وعلى هذا فيكون « أَنَّ الَّذِينَ » غير داخل في حيز البشارة بلا شك ، ويحتمل أن يكون قصده أنه يريد بالبشارة مجرد الإخبار سواء كان بخير أم شر ، وهل هو فيهما حقيقة ، أو في أحدهما ، وحينئذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز ، أو استعمالا للمشترك في معنييه ، وفي المسألتين خلاف مشهور . وعلى هذا فلا يكون قوله : « وإنّ الّذين لا يؤمنون » غير داخل في حيز البشارة ، إلّا أنّ الظاهر من حال الزمخشري أنه لا يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولا استعمال المشترك في معنييه . قوله : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ . في الباءين ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما متعلقان بالدعاء على بابهما ، نحو : دعوت بكذا ، أو المعنى : أن الانسان في ضجره قد يدعو بالشر ، ويلح فيه ، كما يدعو بالخير ويلح فيه . والثاني : أنهما بمعنى « في » يعني أن الإنسان إذا أصابه ضرّ دعا ، وألح في الدعاء ، واستعجل الفرج ، مثل : الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ، وعلى هذا فالمدعو به ليس الشر ولا الخير ، وهو بعيد . الثالث : أن يكونا للسبب ، ذكره أبو البقاء ، والمعنى لا يساعده ، والمصدر مضاف لفاعله . قوله : . . . آيَتَيْنِ . . . . يجوز أن يكون هو المفعول الأول ، و « اللَّيْلَ وَالنَّهارَ » ظرفان في موضع الثاني ، قدما على الأول ، والتقدير : وجعلنا آيتين في الليل والنهار ، والمراد بالآيتين إما الشمس والقمر ، وإما تكوير هذا ، وهذا على هذا ، ويجوز أن يكون « آيَتَيْنِ » هو الثاني ، و « اللَّيْلَ وَالنَّهارَ » هما الأول ، ثم فيه احتمالان .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 13 ) .